"سعد إبراهيم الورداني"
هكذا يدوي صوت الأستاذ "عتمان"
الجالس على مكتب صغير خلف حاجز حديدي ليفصل بينه وبين تلك
الصالة العتيقة ذات المروحة المعلقة بصوتها الرتيب. هبط صوته على أذني
كهطول مياه الوابور حين يروي حقلنا الصغير في قريتي البعيدة, صوت يحمل الحياة
نفسها. أذهب إليه لأتلقى جائزة اليانصيب المسماة الراتب, أول مبلغ من
المال اتحصل عليه منذ استلمت عملي الأول في القاهرة. يبتسم الأستاذ
"عتمان" ابتسامته الصفراء المعهودة ويقول:
"إمضي في الدفتر اللي قدامك وتعالى
استلم"
متلهفا ارسم توقيعي سريعا لأتناول ذلك المظروف
الأبيض الصغير. أتجاوز الحاجز الحديدي وأبحث عن مكان أتوارى به حتى أتمكن من فتح
المظروف بعيدا عن العيون. ألمح الجميع ينظر إلي متبسما أو متهكما لا
أدري. تحت الدرج الخشبي الصاعد أخر الرواق الطويل أجد تلك الزاوية البعيدة.
أتكئ على الحائط الرمادي المتسخ قليلا. أفتح المظروف من اعلى بحرص زائد
لأجد ما حلمت به شهرا كامل طويل كحياتي، والتي تمر الأن كقطار سريع. أول يوم في
المدرسة الإبتدائية. أمي تشدني من يدي مستسلما، ونتحرك فوق الممر الصغير بين
الحقول الخضراء. أتعثر مرة او مرتين. محاولاتي المتكررة للهرب من المدرسة لأعود
للعب في الحقل الصغير. معارك صغيرة عديدة تنتهي دوما بالمريلة الصفراء الكئيبة
متمزقة وطعم الدم يعلو فوق شفتي. مصباح الكيروسين جاري قي ليالي الشتاء الباردة
يضئ مساحة تمكني من إستكمال واجبي المدرسي السخيف، محاولا التغلب على النعاس
المنبعث من رقصة شعلة النار الصفراء الصغيرة. أعود لأتحسس ملمس الجنيهات الجديدة
الخشنة قليلا، وأسرع في عدها بزهو القادة عند أبواب روما القديمة، يحملون رؤوس
الأعداء. كم أحببت قصص التاريخ حين تُلقى على مسامعنا نحن طلبة الثانوية بمدينة
سمالوط. تلك المدينة الصغيرة التي شهدت محاولات طفلٍ على أعتاب عمر الرجال. لفافة
التبغ الردئ، نظرات مسروقة على أستحياء لبوابة مدرسة البنات المجاورة بعد إنتهاء
اليوم الدراسي. بيت خالي العجوز الوحيد وزيارة أمي الأسبوعية بالفطير المشلتت.
أصدقاء الحقل حين ينظرون إلي عند عودتي إلى القرية من عالم المدينة.
أنتبه إلى خطوات ثقيلة تتحرك فوق الدرج الخشبي،
فأطوي الجنيهات وأضعها في حافظة النقود. أكور المظروف وأُلقي به بعيداً. بخطوات
سريعة أتجه نحو الباب الخشبي العملاق بعقل شريد لتبتلعني العاصمة. أصطدم بأحدهم
مارا سريعا فلا أكترث لغير حافظتي حتى لا تسقط بيد شيطان، وسرعان ما يعود
الشرود حول كيف أتصرف بذلك المبلغ المتاح. إيجار حجرتي الصغيرة، مصروف شهر بين
شطائر الفول والسجائر وجلستين أو ثلاث على المقهى الصغير، تذكرة قطار يوم جمعة
وشال مطرز لأمي وعباءة من الحسين لأبي وبعض الهدايا لإخوتي. وأستمع لتأنيب أمي حول
كم المصاريف الهائل وأنني لابد وأن أتزوج، سوف تحدثني عن "فاطمة" إبنة
جارنا "الحاج سالم". لن أعترض هذه المرة بعد أن شاهدت حياة القاهرة،
المدينة الصاخبة الساحرة المزدحمة، قوالبها الخرسانية الكئيبة ووسط البلد الغني
بماضيه الثري. جحافل من البشر بعيون متهجمة منكسرة أحيانا وحينا مستأسده، وحالة
تحفز للشجار من الجميع لأسباب عديدة لا يعرفها أحد، أو يتجاهلون معرفتها. مدينة مليئة بأشكال مختلفة للحياة وأخرى للموت في مزيج لا أفهمه ولا أشعر إنني منه، فقط الأرض المزروعة سنابل القمح هي ما افهمه, المساحات الخضراء الواسعة والهدوء المصاحب لها, الجيران الذين تعرفهم بالإسم، تلك البيوت الطينية بسكانها المرحبيين دوما، وشوارع صغيرة دافئة تحمل معنى الأمان. كم وددت في بيت صغير جوار الحقل حيث تنبت السعادة البسيطة المغلفة بالصدق، وغرفتي نوم يشرق عليها شمس حانية على رؤوس الفلاحين، وساحة صغيرة مفتوحة للسماء تستقبل نسائم الليل وحبات النجوم.

أعود لأنتبه إلى
الطريق الطويل أمامي وأتحرك نحو موقف الحافلات البعيد, حيث رحلة أخرى
لا يعرفها سوى فقراء تلك المدينة بين روائح العرق ومحاولات تفادي السرقة، التشبث بالأرض الصغيرة المتاحة لقدمك بالداخل حتى لا تسقط فتسحقك الأقدام.
أسرع الخطى نحوه عابرا بحر الطريق الأسفلتي الواسع. مرارا حاولت أن اكتشف أسهل
الطرق لعبور هذا البحر ولم أجد حلاً قط. تتفادي سيارة مسرعة لتجد أخرى في إنتظارك تشعرك بمدى مأساتك. أحاول التخلص من شرودي لأنتبه إلى الط .............
بعد ثلاثة أيام:
مجموعة من الرجال
يقفون وسط عويل بعض النسوة جوار مقبرة صغيرة مثبتة عليها لوحة رخامية صغيرة, منقوش
عليها إسم وتاريخ.