الأربعاء، 2 أكتوبر 2013

لوحة من رخام

"سعد إبراهيم الورداني"
هكذا يدوي صوت الأستاذ "عتمان" الجالس على مكتب صغير خلف حاجز حديدي ليفصل بينه وبين تلك الصالة العتيقة ذات المروحة المعلقة بصوتها الرتيب. هبط صوته على أذني كهطول مياه الوابور حين يروي حقلنا الصغير في قريتي البعيدة, صوت يحمل الحياة نفسها. أذهب إليه لأتلقى جائزة اليانصيب المسماة الراتب, أول مبلغ من المال اتحصل عليه منذ استلمت عملي الأول في القاهرة. يبتسم الأستاذ "عتمان" ابتسامته الصفراء المعهودة ويقول:
"إمضي في الدفتر اللي قدامك وتعالى استلم"
متلهفا ارسم توقيعي سريعا لأتناول ذلك المظروف الأبيض الصغير. أتجاوز الحاجز الحديدي وأبحث عن مكان أتوارى به حتى أتمكن من فتح المظروف بعيدا عن العيون. ألمح الجميع ينظر إلي متبسما أو متهكما لا أدري. تحت الدرج الخشبي الصاعد أخر الرواق الطويل أجد تلك الزاوية البعيدة. أتكئ على الحائط الرمادي المتسخ قليلا. أفتح المظروف من اعلى بحرص زائد لأجد ما حلمت به شهرا كامل طويل كحياتي، والتي تمر الأن كقطار سريع. أول يوم في المدرسة الإبتدائية. أمي تشدني من يدي مستسلما، ونتحرك فوق الممر الصغير بين الحقول الخضراء. أتعثر مرة او مرتين. محاولاتي المتكررة للهرب من المدرسة لأعود للعب في الحقل الصغير. معارك صغيرة عديدة تنتهي دوما بالمريلة الصفراء الكئيبة متمزقة وطعم الدم يعلو فوق شفتي. مصباح الكيروسين جاري قي ليالي الشتاء الباردة يضئ مساحة تمكني من إستكمال واجبي المدرسي السخيف، محاولا التغلب على النعاس المنبعث من رقصة شعلة النار الصفراء الصغيرة. أعود لأتحسس ملمس الجنيهات الجديدة الخشنة قليلا، وأسرع في عدها بزهو القادة عند أبواب روما القديمة، يحملون رؤوس الأعداء. كم أحببت قصص التاريخ حين تُلقى على مسامعنا نحن طلبة الثانوية بمدينة سمالوط. تلك المدينة الصغيرة التي شهدت محاولات طفلٍ على أعتاب عمر الرجال. لفافة التبغ الردئ، نظرات مسروقة على أستحياء لبوابة مدرسة البنات المجاورة بعد إنتهاء اليوم الدراسي. بيت خالي العجوز الوحيد وزيارة أمي الأسبوعية بالفطير المشلتت. أصدقاء الحقل حين ينظرون إلي عند عودتي إلى القرية من عالم المدينة.

أنتبه إلى خطوات ثقيلة تتحرك فوق الدرج الخشبي، فأطوي الجنيهات وأضعها في حافظة النقود. أكور المظروف وأُلقي به بعيداً. بخطوات سريعة أتجه نحو الباب الخشبي العملاق بعقل شريد لتبتلعني العاصمة. أصطدم بأحدهم مارا سريعا فلا أكترث لغير حافظتي حتى لا تسقط بيد شيطان، وسرعان ما يعود الشرود حول كيف أتصرف بذلك المبلغ المتاح. إيجار حجرتي الصغيرة، مصروف شهر بين شطائر الفول والسجائر وجلستين أو ثلاث على المقهى الصغير، تذكرة قطار يوم جمعة وشال مطرز لأمي وعباءة من الحسين لأبي وبعض الهدايا لإخوتي. وأستمع لتأنيب أمي حول كم المصاريف الهائل وأنني لابد وأن أتزوج، سوف تحدثني عن "فاطمة" إبنة جارنا "الحاج سالم". لن أعترض هذه المرة بعد أن شاهدت حياة القاهرة، المدينة الصاخبة الساحرة المزدحمة، قوالبها الخرسانية الكئيبة ووسط البلد الغني بماضيه الثري. جحافل من البشر بعيون متهجمة منكسرة أحيانا وحينا مستأسده، وحالة تحفز للشجار من الجميع لأسباب عديدة لا يعرفها أحد، أو يتجاهلون معرفتها. مدينة مليئة بأشكال مختلفة للحياة وأخرى للموت في مزيج لا أفهمه ولا أشعر إنني منه، فقط الأرض المزروعة سنابل القمح هي ما افهمه, المساحات الخضراء الواسعة والهدوء المصاحب لها, الجيران الذين تعرفهم بالإسم، تلك البيوت الطينية بسكانها المرحبيين دوما، وشوارع صغيرة دافئة تحمل معنى الأمان. كم وددت في بيت صغير  جوار الحقل حيث تنبت السعادة البسيطة المغلفة بالصدق، وغرفتي نوم يشرق عليها شمس حانية على رؤوس الفلاحين، وساحة صغيرة مفتوحة للسماء تستقبل نسائم الليل وحبات النجوم. 



أعود لأنتبه إلى الطريق الطويل أمامي وأتحرك نحو موقف الحافلات البعيد, حيث رحلة أخرى لا يعرفها سوى فقراء تلك المدينة بين روائح العرق ومحاولات تفادي السرقة، التشبث بالأرض الصغيرة المتاحة لقدمك بالداخل حتى لا تسقط فتسحقك الأقدام. أسرع الخطى نحوه عابرا بحر الطريق الأسفلتي الواسع. مرارا حاولت أن اكتشف أسهل الطرق لعبور هذا البحر ولم أجد حلاً قط. تتفادي سيارة مسرعة لتجد أخرى في إنتظارك تشعرك بمدى مأساتك. أحاول التخلص من شرودي لأنتبه إلى الط .............


بعد ثلاثة أيام:
مجموعة من الرجال يقفون وسط عويل بعض النسوة جوار مقبرة صغيرة مثبتة عليها لوحة رخامية صغيرة, منقوش عليها إسم وتاريخ.


الجمعة، 14 سبتمبر 2012

ديلما "1"


ديلما "1"
صيف 1960

تستيقظ "ديلما" متأخرة قليلا عن موعدها المعتاد, كانت قد إتصلت البارحة برئيسها في العمل تخبره بعدم قدرتها على المجئ اليوم, اختلقت من القصص الواهية الكثير حتى تقنعه بواحدة منها لتبرر غيابها. ثم اغلقت الهاتف واستسلمت مرة أخرى لنسائم وعواصف من الفرح والقلق والخوف التي ألهبت فراشها فلم تستطع انت تنام ملء الجفون. يمتلكها صمت الصباح أكثر مما اعتادت عليه, وشعور بوحدتها يجرحها كثيرا ,هي التي اعتادت الوحدة حتى صارت صديقتها الوحيدة , خاصة بعد رحيل شقيقتها الصغيرة "صوفي" إلى الشمال لتلحق بالجامعة هناك. لكم ألحت "صوفي" عليها ان تبنى صداقات مع المحيطين بها في الدراسة أو العمل, ولكم حاولت هي فعل ذلك محاولات تبوء دائماً بالفشل. إحتياجها لشقيقتها الأن فاق ما كانت تتخيله من قبل, تحتاج إليها لتنصحها كيف تواجه هذا الوسيم القادم من بلاد جنوب البحر. تنظر إلى تلك الزهرات الجالسة أمامها لتذكرها بظهيرة الأمس, وما حدث معها لتتحول حياتها رأسا على عقب بلا سابق إنذار.


تنزلق ببطء من فوق فراشها وتستند بحافته لتقف, تضع قدميها الدقيقتين خف وردي اللون, تنتظر واقفة قليلا ثم تتحرك بعرج واضح إلى الحمام. تفتح صنبور المياه ليملأ حوض الإستحمام, تنظر إلى إنعكاس صورتها المتحرك على سطح الماء وتمر عليها ذكريات بعيده تقذفها لثمانية عشر عاماً ماضية. هذا اللهو الجميل مع الأطفال في الحديقة الصغيرة الموجودة بنهاية الشارع والقلق البالغ في عيون الأمهات, الصوت طائرات مدوي يصم الأذان وصراخ الجميع. ثم الظلام الدامس يتخلله أصوات كثيرة لا تعرف عنها شيئاً. الضوء الأبيض القوي يخترق عيناها عنوة. مستلقية على فراش تجلس أمها على حافته شبه باكية داخل حجرة باردة. ساقها اليسرى مغطاه بسجن من الضمادات البيضاء, وألم يجتاحها للصراخ. تنفض الذكريات عنها وتغلق الصنبور بعد إمتلاء الحوض أكثر مما ينبغي, تخلع رداء نومها وتقف أمام تلك المرأة الطويلة لتتحسس الجرح الغائر القديم وينغرس الألم في قلبها من جديد, وتعود ذكريات نظرات الشفقة من الكثير, أو نظرات ساخرة من أقرانها لعدم تمكنها من اللعب معهم مرة أخرى. حزنها المتزايد مع سنوات المراهقة الأولى, و محاولات أمها للتخفيف عنها مما يزيد الأمر سوء. بداية صنعها للعديد من الأسوار والحصون هربا من الأخرين, قوتها المصطنعة التي تنهار ليلا بالبكاء على كتف شقيقتها.



تعود لتلقي بجسدها داخل الماء لتزيل أثار الماضي ويطفو وجه هذا الرجل فوق السطح. إلى المطعم الذي تعمل به يأتي ظهرا ليطلب قطعة اللحم المتبل مع حساء البصل الساخن, يحاول كثيراً أن لا ينظر إليها وهي خلف ذلك المكتب الصغير جوار المدخل ويفشل فيبتسم لها. إعتادت على تلك الإبتسامات من الرجال المقتحمة الكريهة سيئة الظن, فتختبئ خلف أسوارها سريعاً, لكن شيئاً في هذا الخجل المرسوم على وجه أثار فضولها قليلاً. حاول ان يتحدث معها بلغة كسيحة تتحسن يوما عن يوم ببطء شديد أوضحت لها انه من بلاد بعيدة, في البداية تعاملت معه كتمثال من الشمع البارد لا روح داخله, لكنه فاجأها بإصرار متزايد لا تعرف له سببا حتى ظهرت بوادر من بسمة تظهر على إستحياء بوجهها. إلى أن أتى بالأمس مبكراً والمطعم خالي تقريباً, تلمحه عبر حائط الزجاج الخارجي يتحرك سريعا متوتراً عبر الساحة الواسعة متأنقاً اكثر مما يجب, حاملاً باقة صغيرة من شقائق النعمان, مثيراً عاصفة من الفضول لديها وطوفان من الأسئلة, يدلف بالداخل ويقف أمامها, يحمل الباقة بيده اليمنى مبتسماً, وتصحب ابتسامته كلمات قليلة مما أتقنه من اللغة يدغدغ بها أعصابها, لتنهار كل حصونها وأسوارها فلا تعي شيئاً سوى أنه ينتظرها عند المقهى الشهير على شاطئ البحر.

تنتهي من حمامها لتلف جسدها بتلك المنشفة الكبيرة, تنظر داخل خزانة ملابسها علها تجد شيئا يناسب ما هي مقبلة عليه,  كانت تضع احلامها دوما داخل تلك الخزانة مع فساتين مختلفة. لا ترى امامها سوى ذلك الفستان الأزرق الهادئ الطويل ذو الحزام الأبيض الرفيع. تخرجه وتضعه فوق الفراش وتقف كثيراً أمام مرأتها. تمر ساعات حتى تبدأ في إرتداء ملابسها وتضع عقد من اللؤلؤ الرخيص ليزين رقبتها ويتدلى فوق صدرها المكشوف قليلاً, ترتدي حذاء أبيض ذو كعب قصير, وحقيبة يد صغيرة بيضاء. تنظر إلى صورتها في المرأة مرة اخيرة, خائفة قلقه وترتعش قدميها وسعادة تطل من عيناها كصباح ذهبي فوق المروج الخضراء.

يدوي صوت إنذار سيارة الأجرة التي ستقلها  إلى  ذلك المقهى. تهبط درجات السلم ببطء حتى تصل إلى الشارع, محييةً السائق تستقل المقعد الخلفي. تهرب من إبتسامته فوق مرأة السيارة بالنظر للموجودات على جانبي الطريق, طرق وبيوت, حدائق وأشجار, ميادين ومقاهي وحوانيت, تشعر بأنها تعيد إكتشاف المدينة الصغيرة كلها بعد أن بُثت بها الحياة. تصل السيارة إلى الطريق الصغير المغلف بأشجار السنديان القديمة, تقف في منتصف الطريق جوار مدخل المقهى حيث يقف هو في حلة سوداء كاملة ممسكاً بزهرة صغيرة في يديه. يفتح لها باب السيارة ويلتقط يدها اليمنى لتخرج منها, ينحني طابعاً قبلة على بباطن كفها الخجول, ويزرع الزهرة الصغيرة بين أصابعها. تبتسم له ويدخلان معاً المقهى.




الأحد، 27 مايو 2012

دنيا

عن حلمي أتحدث، حلم بدأ ولم يزل، منذ ان علمت انني ابحث عنها هي فقط. كانت هناك دوما بابتسامتها الساحرة البسيطه، كنا متشابهان، نرى الثورة قمة الرومانسيه. نلهو بالحجارة أمام أليات المحتل. نتقاذف قنابل الغاز مع أمن غاشم. كانت الثورة وطنا ولم تكن لنا حدود. ظللنا نبحث عن خط النار دوما في اي مكان. وكنا دائما نبتسم، تتشابك ايدينا في ليل اعتصام بارد. ونرقص على اهازيج الأنتصار. حتى وهي تهوي من عليائها. ركضت التقطها او أنقذها من رصاص الغدر الأعمى. انقذتني هي بأبتسامتها المعهودة، فكنت أخر وجه تراه وأخر من تبتسم له. انقذتني حينما قالت انتظرك هناك على الشاطئ الأخر. وها أنا ذا أنتظر. ولا تزال بسمتها هي سلواني، ولا تزال ثورتنا مستمرة.

السبت، 10 مارس 2012

عم نبيل

يوماً رطب أخر في الأسكندرية. كنت قد قررت قبلاً أن أذهب إلى ذلك الشارع القديم أزور ما تبقى من البيوت وأدعو أن ألتقي احد المعارف القدامى. أترجل من سيارة الأجرة العتيقة قبل بيت جدتي رحمها الله بشارعين, راغباً في السير ملتمساً ذكريات الماضي, أذكر جيداً شكل الطرق والمحال, أميز ما بقى على حاله كمحل الجزارة الكبير"جزارة بدران" بصنوف الذبائح المعلقه في الهواء الطلق, بعضها مغطى بالقماش الأبيض والبعض عارياً في إغراء للناظرين وتمنع عن فقراء الحي الكثيرون هنا. أمامه على الجانب الأخر من الطريق تقع أرض المعارك اليوميه, هذا المخبز البلدي الشاهد على كثرة حروبي هادفاً الحصول على الخبز الأسمر الطري, لأعود به سعيداً إلى جدتي التي تبتسم لي وهي تجهز المائدة الصغيرة ببعض حبات الفلافل الساخنة وبعضاً من الجبن الأبيض. أذكر حين أنتقلت للعيش معها, كنت خائفا من كل شئ, من الباب الخشبي العالي لمدخل البناية العتيقة وهذا السلم الممتد حتى قمم الجبال, وكل هؤلاء الجيران العجائز بأيديهم المعروقه وهي تحتضني مرحبةً. كنت خائفاً. لم اكن أعلم حينها أن تلك الأيدي هي اكثر من يستطيع ان يحنو في هذا العالم. مع مرور الوقت صار هذا السلم المرتفع سبيلي إلى الجنة.

جوار المخبز بأمتار قليله, أجد الصيدلية القديمة بدون صاحبها الجالس بجوار بابها دوماً. يدفعني الفضول لألقي التحية على من قد أعرفه بالداخل, لكن هيهات, فقط نفس الأرفف المعلقة كنتوء صخري لجبال الصحراء, وفتاة ربع حسناء ملطخة بقليل من الأصباغ, تلوك علكة في محاولة لإثارة احدهم. أسألها مبتسما على دواء للصداع فتنظر إلي شزرا قائله بعيناها "يادي الاستظراف ما تقول عايز مني ايه واخلص" , تعطيني الدواء واعطها ثمنه وافر سريعاً عابرأ الطريق للضفة الثانية مرة أخرى. خطوات قليلة وأجد الدكان المغلق منذ بدء الدهر. بابه الحديدي العتيق الذي تحول كثيراً إلى مرمى لنا حبنما نلعب الكرة بعد صلاة التراويح في رمضان أو عصرأ بعد العودة من المدرسة مصحوبين بلعنات الجيران الراغبين في ساعة القيلولة. وعلى بعد بنايتين متهالكتيين على ناصية التقاطع الصغير تقع المقهى الصغير "قهوة الحاج سيد" بنشارة الخشب الصغيرة الملقاه على الأرض الأسمنتية ,ومقاعدها الخشبية ماركة المتناثرة مع تلك المناضد المعدنية الصغيرة ,المحملة دائما بالشاي والقهوة التركية أو عصير الليمون أو زجاجات المياة الغازية الساخنة دائماً ماركة "كراش" للأطفال أمثالي. كانت المقهى دائما مشغولة بصراع قطبيها الكبار عم إبراهيم رئيس عمال السكة الحديد, والأستاذ توفيق الموظف في مصلحة البريد. يتحلق جمع من رواد المقهى وبعض أهل الشارع حول مبارتهما في الطاولة ولعب النرد:
"جوهار-بنج أتمسكت في الثه يا حلو, وراحت عليك العشرة يا هيمه"
"تلات رميات زهر وحزنقك في اليك, وابقى قابلني ع رصيف المحطة لو عرفت تزوغ منها يا توفه"
أو حين يترأس كلاً منهما مجموعة مشجعين صوت الكابتن لطيف يشاهدون مبارة الموسم بين الأهلى والإتحاد السكندري يشاركهم صوت الكابتن لطيف, متبادلين النكات والسباب حول اللعب والنتيجه. وحين ينتهي كل شئ ويأتي وقت الرحيل, تجد عم إبراهيم متعكزاً على ذراع الأستاذ ليصل به إلى بيته القابع خلف الجامع الصغير أخر الشارع, بعدها يعود الأستاذ توفيق لشراء مخزونه الليلي من السجائر الرخيصة ثم إلى منزله الكائن على بعد بنايتيين من منزل جدتي, ولما يشتد بينهم الصراع معلناً غضبة عم إبراهيم, حينها يأمر الأستاذ أحد الصغار ليصل بالعم إلى منزله, وينظر إليه عم إبراهيم ضاحكاً ويرحل. يوقظني صوت هذا التوك توك على مشهد للشاشة الكبيرة في قلب المقهي الأفرنجي بمقاعده البلاستيكية ومشروباته المثلجه. أتوقع ان يكون الصراع صار الأن بين مشجعي برشلونه ومشجعي ريال مدريد.

انحرف يميناً  واتحرك ببطء إلى الأمام أرى بيت جدتي الحبيب, ولا يزال تاجر الجملة الوافد من الصعيد - بعد رحلة عمل ناجحه في بلاد البترول - ببضاعته المنتشرة ساداً بها قليلا مدخل البناية موجود. كنت أكره في سني المبكرة لأنه دائما لا يسمح لنا باللعب امام المنزل إلا بعد مشادة صغيرة بينه وبين باقى الجيران الراغبين في إرضاء جدتي. وبمرور الزمن إزداد كرهي حينما علمت عن إستغلاله للبعض نتيجة قربه من الملعب القذر للسلطة. علمت بعد رحيلي بفترةٍ وجيزة دخول إبنه البكر إلى مجلس الشعب ببلطجيتها المعروفة في ذلك الزمن. على الضفة الخرى من الشارع الضيق أجد عم نبيل النجار جاساً على مقعده القديم خارج ورشته الصغيرة, اذهب إليه محيياً, يدقق النظر إلى وإلى صوتي ثم يبتسم عالياً قائلاً:
"إستاذ محمد الغالي حفيد الحاجة الغالية"
لكم أحببت هذا الرجل الطيب, كثيراً ما كان يأتي إلى جدتي شاكياً الحال أو مصلحاً لبعض الأشياء القديمة بالبيت. ياتي بقعداً أخر من الداخل وينادي على صبي المقهى كوبين من الشاي. يسألني عن الأحوال فأخبره بما طرأ وما جد, سفري وعملي  وروتين الحياة. يخبرني بأحواله قائلا:
"الشغل مبقاش زي زمان, الفرش الجاهز أكل السوق, وكله بقى بيستسهل الموضوع. يا دوب تظبيط شوية كراسي ولا سرير, تعملك دولاب جديد كل حين ومين وجبرنا على كده"
قص لي مأساته مع حرفته, وكيف ان ابنائه لم تجذبهم تلك الحرفة: " حتى العيال بيزنوا على دماغي عشان أقلب الورشة قال ايه سوبر ماركت. انا عارف اول ما اموت حيعملوها ولاد ال......"
يأتي الصبي بالشاي الساخن ويضعه على طاولة صغيرة قد أتى بها من المقهى. اشرب قليلاً وأنظر إلى عم نبيل مبتسماً محاولاً تغيير ذلك الحزن المرسوم على ملامحه, أسأله عن الأهل وجيران الماضي والأصدقاء القدامى, عن البيوت والدكاكين الصغيرة. يخبرني عن رحيل أبناء عم إبراهيم إلى منطقة الفقراء الجديدة بغرب الأسكندرية فقط بعد سنوات قليلة من رحيل أبيهم إلى بارئه. يخبرني عن الأستاذ وكيف صار الحزن رفيقه بعد رحيل صديقه القديم, وما هي إلا ثلاثة شهور ليلحق به. وكيف باع ولديه البيت المملوك له سريعاً وانتقلوا إلى شرق المدينة. ينظر إلى مبتسماً ويقول:
"بس الشهادة لله, والعيال برضه ولاد أصول ومينسوش العشرة, كل مدة كده ألاقي حد فيهم يعدي يسأل ويسلم"
تنهمر منه الكلمات لترسم صوراً من الماضي وأنا لاهياً باحثاً عن قبساً منه فيما أراه امامي في هذا الشارع مسترشداً بما أراه في غابات الأغتراب النامية داخل روحي. لكم وددت ان احبس هذا الزمن فلا يهرب, ان احتفظ بمئات التفاصيل حية. انتبه إلى عم نبيل وهو ينظر إلى نظرة ساخرة خافضاً صوته ويقول :
"فاكر البت رباب اللي كنت حتجن عليها زمان أيام الكلية, الشهادة لله هي كانت تخبل. تعرف انها لسه موجوده في نفس البيت, قاعده مع امها العيانه, وجوزها قاعد في الخليج"
يا للماضي البعيد, حبي الاول على صوت فيروز الهامس بقلبي في الشرفة, نتبادل النظرات والبسمات, جنوني حين عدت من بلدتنا في الجنوب بعد وفاة جدتي لأجد اباها قد وافق على اول من تقدم لخطبتها. لم انتظر كثيراً بعدها وسافرت.


فجأة يصم أذني صوتاً مجسماً لميكروفونات شديدة الإزعاج معلنةً ما يشبه أنه أذان المغرب فيختفي صوت كل شئ. ننتظر قليلاً ثم ينادي عم نبيل على صبي المقهى ليحمل الكواب الفارغة, ونذهب معاً نصلي, حزيناً مفتقداً دفء مسجدنا الصغير. ننتهي من الصلاة ونعود إلى الورشة. لا أجد في قلبي طاقة تجعلني أنتظر اكثر فأستاذن في الرحيل متحججاً ببعض الأعمال الواجب القيام بها, اسلم على عم نبيل مودعاً و اتركه, ينادي علي صائحاً:
"متغبش عنا كتير, مستنيك بس المرة اللي جايه نتغدي مع بعض"
أبتسم له وأقول:
"إن شاء الله"
أذهب ودموعي تبحث عن سيارة أجرة عتيقة.



  

الأحد، 4 مارس 2012

قهوة إيطالية أو صالة الترانزيت

     هنا من جديد, صالة الترانزيت منتظراً كالعادة خمس ساعات. أذكر ان رحلتها ستهبط بعد عشر دقائق ثم تنتظر اربع ساعات إلا قليلا حتى موعد رحلتها الأخرى, لكني الأن لست متاكداً من شئ. أذكر حين تلاقت أعيننا فأبتسمنا, ذهبت إليها وتحدثنا كثيراً, داخل المقهى الصغير نحتسي قدحين من القهوة الإيطالية الساخنة. حدثتها عن حياتي, عن زواجي الفاشل, غربتي الطويلة. أخبرتني عن صديقها السابق وكيف هجرها, عملها في المناطق الموبؤة في أفريقيا وكم النقاط الواجب مرعاتها تجنباً لمرض لا تعرف ماهيته, تشاركنا في قليلا من الأحلام والأماني. قلت لها عن رحلتي المعتادة كل ثلاثة أشهر إلى الشمال تلك البلاد البعيدة منهياً أعمال وأوراق روتينية. سألتها ...... قاطعتني وقالت انها ستعود بعد عام هنا نفس الموعد, دعنا نلتقى مرة اخرى وقامت تستعد للحاق برحلتها. صافحتها مودعاً صامتاً مبتسماً.
     


       عام مضى لا أستطيع ان أرسم ملامحها مكتملة أذكر إبتسامتها, نظرة السعادة في عينيها,هذا الشارب الأبيض الصغير من زبد  القهوة وهي تزيله خجلى, هذه القشعريرة التي سرت في يدي ويديها حين ودعتها. عام مضى وها أنا هنا من جديد, عيناي تجوب المكان بجنون, بلهفة, كذلك رغبة في الهرب. أتطلع إلى الوجوه المنهكة من طول السفر, وجوة سعيدة فرحة وأخرى مضجرة من هذا كله. عيون ناعسة وأخرى قلقه. من يقرأ ومن يتبادل الحديث. أنظر للساعة بقلق, قد مرت ساعة و نصف ولا أعلم لماذا وافقتها, ولا أريد ان اعرف. فقط عيناها مرة اخرى ما ابتغيه. أذهب إلى نفس المقهى الصغير مرة اخرى, نفس القهوة وأقف بها جانباً, مارأً أمامي الأن عاماً من حياتي, شريط متتابع سريع براق, عاماً من الجنون والحيرة والتساؤل, ما الذي تغير بداخلي, صارت الوحدة التي لازمتني كثيرا مدناً كاملةً تعيش مهرجانات مختلفة, رقصات أفريقية وعروضاً للبولشوي. ألوان ريو دي جانيرو تنتشر في صحراء العرب. مقبلا على الحياة راضياً بها سعيداً بكل ما فيها, حتى ذلك الطائر الرابض على حافة شرقة بيتي كل صباح بصوته المزعج, وددت لو صادقته وتأسفت له عن مرات عدة سببته فيها حين يوقظني بغير رغبةً مني.
     أذهب لشراء قدحاً من القهوة جديدة وأعود إلى مكاني. أكانت تلك الأصوات المتداخلة المقتحمة سكونك هي نفس ذلك اللحن الهامس يومها, أكان هذا المقعد الخشبي الصغير نفسه كرسي الملوك الذي جلست عليه يوماً أرتشف ما تبقى وأنتبه لمرور أربع ساعات وأكثر ونداء رحلتي يدوي, لا أعلم هل ارحل ام أبقى هنا أبد الدهر. تمر الدقائق سريعة وهي لم تظهر وغضبي لا يأتي أيضاً, تبقت عشر دقائق على الرحيل, أذهب لشراء قهوتها الإيطالية وألتقط حقيبتي ونظراتي الحائرة أتجه نحو البوابة. أنهي إجرءاتي سريعاً واجلس على مقعد مواجه للحاجز الزجاجي. دافئة القهوة في راحتي ودافئة عيوني بملمح لها من بعيد. أراها هناك تعدو مسرعة نحوي يتطاير ذلك الجدول المسدول على ظهرها, ترفع يدها ملوحة وأقف انا مبهوتاً. حقيقة كاملة مجسدة, وأيام كثيرة صارت حية في صورتها. نقترب من الحاجز الكريه وأسمع شفتاها تهمس لي :

سأنتظرك العام القادم.



الجمعة، 2 مارس 2012

الشاي المغموس برائحة الدم والبارود




       الوضع شبة هادئ الأن, بعد ليلة مشتعلة بالهجمات المتتالية من مجموعات او قوات موالية لسلطة مستبد أخر وبين من لبى نداء وطنه للحرية. مع إشراقة هذا الفجر هدأت المعركة إلا قليلا من المناوشات على الأطراف, وجدتها فرصة ان أذهب إلى هذا الفتى الصغير بائع  المشروبات الساخنة, أخذت كوباً وشربت منه قليلا, لا أعلم حقا ما هذا الذي أشربه سوى أنه خليط من الشاي المغموس برائحة الدم والبارود. أجلس جانباً وأتامل قليلا, تأسرني تلك الوجوة المفعمة بالأمل, نفس النظرات رأيتها من قبل في وطني وسط أحداث مشابهة. تختلف الوجوة والألسنة ويبقى الإنسان. أسرتني الثورات فصرت كمجاذيب الأولياء أتتبع خطاها أينما وجدت. تسع سنوات مرت منذ ان تركت دنياي مرتحلاً من بلد إلى بلد, أطارد نظرات الأمل في مستقبل مرجو وسط دماء الأحرار. لا أعلم حقا أين خطوتي التالية, حياتي صارت مجموعة من الصور وقصص وأحاديث مسجلة على مدونتي, وطاقة مختزنة بداخلي زادها تلك النظرات هي فقط من تحركني, وتبقيني.

       أشرب قليلاً وأنتبه لحديث مجموعة من الشباب بجواري,يتحدثون بغضب, بأمل, بقوة. بالطبع لا أفهم تلك اللغة, فقط بضع كلمات, لكني ذلك ما شعرت به في حديثهم. أحدهم يحمل صحيفة تحتوي على صور لمشاهد من الجنة الموجودة في البلاد كما يراها الحكام. أفهم سر ذلك الغضب في حديثهم, فالمطلوب من هذه الصور فقط أن يقتنع الشعب بأن لا خير سوى في وجود حاكمنا المستبد. كم غريب أمر الإنسان والأغرب أمر التاريخ, تختلف المشاهد والأدوات من عصر إلى عصر, ويبقى الإطار العام ليجعلك تشعر إنك تشاهد نفس الفيلم مراراً وتكراراً.

       أجلس على  القرميد أعلم انه وقت المعركة يتحول إلى عدد لا بأس به من القنابل الصغيرة. أحتسي قليلا من مشروبي الغريب وأقق مع ذلك الخط الأحمر المتعرج فوق أرض أسفلتية قاسية. دماء سفكت كم أجل دماء تعيش, لكم وددت ان يتحول هذا الخط إلى معبدأ للحرية أو أقتطعه من الأرض وأزرعه بضمير كل إنسان. أسمع صوتاً يحدثني بلغة القوم فألتفت إليه. شاب لم يكمل العشرين يشير بيده السليمه تجاه الخط ويقول شئ ما. أنظر إليه في حيرة مبتسماً, فينتبه إلى ملامحي الغربية عنه ويعيد ما قاله بالإنجليزية " إنها دماء "برنار" قد أصيب اول الأمس الحزين ,نقل إلى تلك المستشفى الصغير. فقدنا كثيرين منذ غروب شمس الأمس" أبتسم له و أسأله:
"هل مازال هناك"
"لا يوجد مكان اكثر أمناً له سوى هنا" فأجيبه مشجعاً:
"لا تبتئس. سوف تنتصرون" فيرد بكل ثقة:
"أؤمن بهذا تماماً, فقط سنفقد أعزاء وزملاء قبل ذلك" فلا أجد ما أجيب به سوى الصمت. يعود ويسألني:
"لماذا أنت هنا"
"مراسل صحفي حر, أغطي الأحداث على الأرض"
"من أين" فأجيبه ثم أسأله عن إصابته فيقول:
"أصبت منذ عدة أيام بطلقة مع بداية الأحداث, كنا مجموعة صغيرة تهتف وتتحرك نحو ....." ويحكي قصته, مثالاً رائعاً لمن بذل نفسه فداءاً لقضية يؤمن بها, وقصة تضاف إلى كنزي الصغير. أسأله إن كان لا يعترض إذا نشرت قصته تلك فلا يبدي إهتماماً معللا بوجود قصص أفضل من تلك. تبادلنا العناوين وطلبت منه أن ألتقط صورة فوافق, ثم سألني:
"ما هي شكل الحياة بعد كل هذا الدم"
لم أجد إجابة فقط سألته:
"ما هي شكل الحياة بدونه" مشيرا إلى معبد الحرية أمامي. وأبتسمنا وأعود إلى مشروبي الغريب