الوضع شبة هادئ الأن, بعد ليلة مشتعلة بالهجمات المتتالية من مجموعات او قوات موالية لسلطة مستبد أخر وبين من لبى نداء وطنه للحرية. مع إشراقة هذا الفجر هدأت المعركة إلا قليلا من المناوشات على الأطراف, وجدتها فرصة ان أذهب إلى هذا الفتى الصغير بائع المشروبات الساخنة, أخذت كوباً وشربت منه قليلا, لا أعلم حقا ما هذا الذي أشربه سوى أنه خليط من الشاي المغموس برائحة الدم والبارود. أجلس جانباً وأتامل قليلا, تأسرني تلك الوجوة المفعمة بالأمل, نفس النظرات رأيتها من قبل في وطني وسط أحداث مشابهة. تختلف الوجوة والألسنة ويبقى الإنسان. أسرتني الثورات فصرت كمجاذيب الأولياء أتتبع خطاها أينما وجدت. تسع سنوات مرت منذ ان تركت دنياي مرتحلاً من بلد إلى بلد, أطارد نظرات الأمل في مستقبل مرجو وسط دماء الأحرار. لا أعلم حقا أين خطوتي التالية, حياتي صارت مجموعة من الصور وقصص وأحاديث مسجلة على مدونتي, وطاقة مختزنة بداخلي زادها تلك النظرات هي فقط من تحركني, وتبقيني.
أشرب قليلاً وأنتبه لحديث مجموعة من الشباب بجواري,يتحدثون بغضب, بأمل, بقوة. بالطبع لا أفهم تلك اللغة, فقط بضع كلمات, لكني ذلك ما شعرت به في حديثهم. أحدهم يحمل صحيفة تحتوي على صور لمشاهد من الجنة الموجودة في البلاد كما يراها الحكام. أفهم سر ذلك الغضب في حديثهم, فالمطلوب من هذه الصور فقط أن يقتنع الشعب بأن لا خير سوى في وجود حاكمنا المستبد. كم غريب أمر الإنسان والأغرب أمر التاريخ, تختلف المشاهد والأدوات من عصر إلى عصر, ويبقى الإطار العام ليجعلك تشعر إنك تشاهد نفس الفيلم مراراً وتكراراً.
أجلس على القرميد أعلم انه وقت المعركة يتحول إلى عدد لا بأس به من القنابل الصغيرة. أحتسي قليلا من مشروبي الغريب وأقق مع ذلك الخط الأحمر المتعرج فوق أرض أسفلتية قاسية. دماء سفكت كم أجل دماء تعيش, لكم وددت ان يتحول هذا الخط إلى معبدأ للحرية أو أقتطعه من الأرض وأزرعه بضمير كل إنسان. أسمع صوتاً يحدثني بلغة القوم فألتفت إليه. شاب لم يكمل العشرين يشير بيده السليمه تجاه الخط ويقول شئ ما. أنظر إليه في حيرة مبتسماً, فينتبه إلى ملامحي الغربية عنه ويعيد ما قاله بالإنجليزية " إنها دماء "برنار" قد أصيب اول الأمس الحزين ,نقل إلى تلك المستشفى الصغير. فقدنا كثيرين منذ غروب شمس الأمس" أبتسم له و أسأله:
"هل مازال هناك"
"لا يوجد مكان اكثر أمناً له سوى هنا" فأجيبه مشجعاً:
"لا تبتئس. سوف تنتصرون" فيرد بكل ثقة:
"أؤمن بهذا تماماً, فقط سنفقد أعزاء وزملاء قبل ذلك" فلا أجد ما أجيب به سوى الصمت. يعود ويسألني:
"لماذا أنت هنا"
"مراسل صحفي حر, أغطي الأحداث على الأرض"
"من أين" فأجيبه ثم أسأله عن إصابته فيقول:
"أصبت منذ عدة أيام بطلقة مع بداية الأحداث, كنا مجموعة صغيرة تهتف وتتحرك نحو ....." ويحكي قصته, مثالاً رائعاً لمن بذل نفسه فداءاً لقضية يؤمن بها, وقصة تضاف إلى كنزي الصغير. أسأله إن كان لا يعترض إذا نشرت قصته تلك فلا يبدي إهتماماً معللا بوجود قصص أفضل من تلك. تبادلنا العناوين وطلبت منه أن ألتقط صورة فوافق, ثم سألني:
"ما هي شكل الحياة بعد كل هذا الدم"
لم أجد إجابة فقط سألته:
"ما هي شكل الحياة بدونه" مشيرا إلى معبد الحرية أمامي. وأبتسمنا وأعود إلى مشروبي الغريب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق