ديلما "1"
صيف 1960تستيقظ "ديلما" متأخرة قليلا عن موعدها المعتاد, كانت قد إتصلت البارحة برئيسها في العمل تخبره بعدم قدرتها على المجئ اليوم, اختلقت من القصص الواهية الكثير حتى تقنعه بواحدة منها لتبرر غيابها. ثم اغلقت الهاتف واستسلمت مرة أخرى لنسائم وعواصف من الفرح والقلق والخوف التي ألهبت فراشها فلم تستطع انت تنام ملء الجفون. يمتلكها صمت الصباح أكثر مما اعتادت عليه, وشعور بوحدتها يجرحها كثيرا ,هي التي اعتادت الوحدة حتى صارت صديقتها الوحيدة , خاصة بعد رحيل شقيقتها الصغيرة "صوفي" إلى الشمال لتلحق بالجامعة هناك. لكم ألحت "صوفي" عليها ان تبنى صداقات مع المحيطين بها في الدراسة أو العمل, ولكم حاولت هي فعل ذلك محاولات تبوء دائماً بالفشل. إحتياجها لشقيقتها الأن فاق ما كانت تتخيله من قبل, تحتاج إليها لتنصحها كيف تواجه هذا الوسيم القادم من بلاد جنوب البحر. تنظر إلى تلك الزهرات الجالسة أمامها لتذكرها بظهيرة الأمس, وما حدث معها لتتحول حياتها رأسا على عقب بلا سابق إنذار.
تنزلق ببطء من فوق فراشها وتستند بحافته لتقف, تضع قدميها الدقيقتين خف وردي اللون, تنتظر واقفة قليلا ثم تتحرك بعرج واضح إلى الحمام. تفتح صنبور المياه ليملأ حوض الإستحمام, تنظر إلى إنعكاس صورتها المتحرك على سطح الماء وتمر عليها ذكريات بعيده تقذفها لثمانية عشر عاماً ماضية. هذا اللهو الجميل مع الأطفال في الحديقة الصغيرة الموجودة بنهاية الشارع والقلق البالغ في عيون الأمهات, الصوت طائرات مدوي يصم الأذان وصراخ الجميع. ثم الظلام الدامس يتخلله أصوات كثيرة لا تعرف عنها شيئاً. الضوء الأبيض القوي يخترق عيناها عنوة. مستلقية على فراش تجلس أمها على حافته شبه باكية داخل حجرة باردة. ساقها اليسرى مغطاه بسجن من الضمادات البيضاء, وألم يجتاحها للصراخ. تنفض الذكريات عنها وتغلق الصنبور بعد إمتلاء الحوض أكثر مما ينبغي, تخلع رداء نومها وتقف أمام تلك المرأة الطويلة لتتحسس الجرح الغائر القديم وينغرس الألم في قلبها من جديد, وتعود ذكريات نظرات الشفقة من الكثير, أو نظرات ساخرة من أقرانها لعدم تمكنها من اللعب معهم مرة أخرى. حزنها المتزايد مع سنوات المراهقة الأولى, و محاولات أمها للتخفيف عنها مما يزيد الأمر سوء. بداية صنعها للعديد من الأسوار والحصون هربا من الأخرين, قوتها المصطنعة التي تنهار ليلا بالبكاء على كتف شقيقتها.
تعود لتلقي بجسدها داخل الماء لتزيل أثار
الماضي ويطفو وجه هذا الرجل فوق السطح. إلى المطعم الذي تعمل به يأتي ظهرا
ليطلب قطعة اللحم المتبل مع حساء البصل الساخن, يحاول كثيراً أن لا ينظر إليها وهي
خلف ذلك المكتب الصغير جوار المدخل ويفشل فيبتسم لها. إعتادت على تلك الإبتسامات
من الرجال المقتحمة الكريهة سيئة الظن, فتختبئ خلف أسوارها سريعاً, لكن شيئاً في
هذا الخجل المرسوم على وجه أثار فضولها قليلاً. حاول ان يتحدث معها بلغة كسيحة تتحسن
يوما عن يوم ببطء شديد أوضحت لها انه من بلاد بعيدة, في البداية تعاملت معه كتمثال من
الشمع البارد لا روح داخله, لكنه فاجأها بإصرار متزايد لا تعرف له سببا حتى ظهرت
بوادر من بسمة تظهر على إستحياء بوجهها. إلى أن أتى بالأمس مبكراً والمطعم خالي
تقريباً, تلمحه عبر حائط الزجاج الخارجي يتحرك سريعا متوتراً عبر الساحة الواسعة متأنقاً
اكثر مما يجب, حاملاً باقة صغيرة من شقائق النعمان, مثيراً عاصفة من الفضول لديها
وطوفان من الأسئلة, يدلف بالداخل ويقف أمامها, يحمل الباقة بيده اليمنى مبتسماً,
وتصحب ابتسامته كلمات قليلة مما أتقنه من اللغة يدغدغ بها أعصابها, لتنهار كل
حصونها وأسوارها فلا تعي شيئاً سوى أنه ينتظرها عند المقهى الشهير على شاطئ البحر.
تنتهي من حمامها لتلف جسدها بتلك المنشفة
الكبيرة, تنظر داخل خزانة ملابسها علها تجد شيئا يناسب ما هي مقبلة عليه, كانت تضع احلامها دوما داخل تلك الخزانة مع فساتين
مختلفة. لا ترى امامها سوى ذلك الفستان الأزرق الهادئ الطويل ذو الحزام الأبيض
الرفيع. تخرجه وتضعه فوق الفراش وتقف كثيراً أمام مرأتها. تمر ساعات حتى تبدأ في
إرتداء ملابسها وتضع عقد من اللؤلؤ الرخيص ليزين رقبتها ويتدلى فوق صدرها
المكشوف قليلاً, ترتدي حذاء أبيض ذو كعب قصير, وحقيبة يد صغيرة بيضاء. تنظر إلى صورتها في المرأة مرة اخيرة, خائفة قلقه وترتعش قدميها وسعادة تطل من عيناها كصباح ذهبي فوق المروج الخضراء.
يدوي صوت إنذار سيارة الأجرة التي ستقلها إلى ذلك المقهى. تهبط درجات السلم ببطء حتى تصل إلى الشارع, محييةً السائق تستقل المقعد الخلفي. تهرب من إبتسامته فوق مرأة السيارة بالنظر للموجودات على جانبي الطريق, طرق وبيوت, حدائق وأشجار, ميادين ومقاهي وحوانيت, تشعر بأنها تعيد إكتشاف المدينة الصغيرة كلها بعد أن بُثت بها الحياة. تصل السيارة إلى الطريق الصغير المغلف بأشجار السنديان القديمة, تقف في منتصف الطريق جوار مدخل المقهى حيث يقف هو في حلة سوداء كاملة ممسكاً بزهرة صغيرة في يديه. يفتح لها باب السيارة ويلتقط يدها اليمنى لتخرج منها, ينحني طابعاً قبلة على بباطن كفها الخجول, ويزرع الزهرة الصغيرة بين أصابعها. تبتسم له ويدخلان معاً المقهى.
يدوي صوت إنذار سيارة الأجرة التي ستقلها إلى ذلك المقهى. تهبط درجات السلم ببطء حتى تصل إلى الشارع, محييةً السائق تستقل المقعد الخلفي. تهرب من إبتسامته فوق مرأة السيارة بالنظر للموجودات على جانبي الطريق, طرق وبيوت, حدائق وأشجار, ميادين ومقاهي وحوانيت, تشعر بأنها تعيد إكتشاف المدينة الصغيرة كلها بعد أن بُثت بها الحياة. تصل السيارة إلى الطريق الصغير المغلف بأشجار السنديان القديمة, تقف في منتصف الطريق جوار مدخل المقهى حيث يقف هو في حلة سوداء كاملة ممسكاً بزهرة صغيرة في يديه. يفتح لها باب السيارة ويلتقط يدها اليمنى لتخرج منها, ينحني طابعاً قبلة على بباطن كفها الخجول, ويزرع الزهرة الصغيرة بين أصابعها. تبتسم له ويدخلان معاً المقهى.

