السبت، 10 مارس 2012

عم نبيل

يوماً رطب أخر في الأسكندرية. كنت قد قررت قبلاً أن أذهب إلى ذلك الشارع القديم أزور ما تبقى من البيوت وأدعو أن ألتقي احد المعارف القدامى. أترجل من سيارة الأجرة العتيقة قبل بيت جدتي رحمها الله بشارعين, راغباً في السير ملتمساً ذكريات الماضي, أذكر جيداً شكل الطرق والمحال, أميز ما بقى على حاله كمحل الجزارة الكبير"جزارة بدران" بصنوف الذبائح المعلقه في الهواء الطلق, بعضها مغطى بالقماش الأبيض والبعض عارياً في إغراء للناظرين وتمنع عن فقراء الحي الكثيرون هنا. أمامه على الجانب الأخر من الطريق تقع أرض المعارك اليوميه, هذا المخبز البلدي الشاهد على كثرة حروبي هادفاً الحصول على الخبز الأسمر الطري, لأعود به سعيداً إلى جدتي التي تبتسم لي وهي تجهز المائدة الصغيرة ببعض حبات الفلافل الساخنة وبعضاً من الجبن الأبيض. أذكر حين أنتقلت للعيش معها, كنت خائفا من كل شئ, من الباب الخشبي العالي لمدخل البناية العتيقة وهذا السلم الممتد حتى قمم الجبال, وكل هؤلاء الجيران العجائز بأيديهم المعروقه وهي تحتضني مرحبةً. كنت خائفاً. لم اكن أعلم حينها أن تلك الأيدي هي اكثر من يستطيع ان يحنو في هذا العالم. مع مرور الوقت صار هذا السلم المرتفع سبيلي إلى الجنة.

جوار المخبز بأمتار قليله, أجد الصيدلية القديمة بدون صاحبها الجالس بجوار بابها دوماً. يدفعني الفضول لألقي التحية على من قد أعرفه بالداخل, لكن هيهات, فقط نفس الأرفف المعلقة كنتوء صخري لجبال الصحراء, وفتاة ربع حسناء ملطخة بقليل من الأصباغ, تلوك علكة في محاولة لإثارة احدهم. أسألها مبتسما على دواء للصداع فتنظر إلي شزرا قائله بعيناها "يادي الاستظراف ما تقول عايز مني ايه واخلص" , تعطيني الدواء واعطها ثمنه وافر سريعاً عابرأ الطريق للضفة الثانية مرة أخرى. خطوات قليلة وأجد الدكان المغلق منذ بدء الدهر. بابه الحديدي العتيق الذي تحول كثيراً إلى مرمى لنا حبنما نلعب الكرة بعد صلاة التراويح في رمضان أو عصرأ بعد العودة من المدرسة مصحوبين بلعنات الجيران الراغبين في ساعة القيلولة. وعلى بعد بنايتين متهالكتيين على ناصية التقاطع الصغير تقع المقهى الصغير "قهوة الحاج سيد" بنشارة الخشب الصغيرة الملقاه على الأرض الأسمنتية ,ومقاعدها الخشبية ماركة المتناثرة مع تلك المناضد المعدنية الصغيرة ,المحملة دائما بالشاي والقهوة التركية أو عصير الليمون أو زجاجات المياة الغازية الساخنة دائماً ماركة "كراش" للأطفال أمثالي. كانت المقهى دائما مشغولة بصراع قطبيها الكبار عم إبراهيم رئيس عمال السكة الحديد, والأستاذ توفيق الموظف في مصلحة البريد. يتحلق جمع من رواد المقهى وبعض أهل الشارع حول مبارتهما في الطاولة ولعب النرد:
"جوهار-بنج أتمسكت في الثه يا حلو, وراحت عليك العشرة يا هيمه"
"تلات رميات زهر وحزنقك في اليك, وابقى قابلني ع رصيف المحطة لو عرفت تزوغ منها يا توفه"
أو حين يترأس كلاً منهما مجموعة مشجعين صوت الكابتن لطيف يشاهدون مبارة الموسم بين الأهلى والإتحاد السكندري يشاركهم صوت الكابتن لطيف, متبادلين النكات والسباب حول اللعب والنتيجه. وحين ينتهي كل شئ ويأتي وقت الرحيل, تجد عم إبراهيم متعكزاً على ذراع الأستاذ ليصل به إلى بيته القابع خلف الجامع الصغير أخر الشارع, بعدها يعود الأستاذ توفيق لشراء مخزونه الليلي من السجائر الرخيصة ثم إلى منزله الكائن على بعد بنايتيين من منزل جدتي, ولما يشتد بينهم الصراع معلناً غضبة عم إبراهيم, حينها يأمر الأستاذ أحد الصغار ليصل بالعم إلى منزله, وينظر إليه عم إبراهيم ضاحكاً ويرحل. يوقظني صوت هذا التوك توك على مشهد للشاشة الكبيرة في قلب المقهي الأفرنجي بمقاعده البلاستيكية ومشروباته المثلجه. أتوقع ان يكون الصراع صار الأن بين مشجعي برشلونه ومشجعي ريال مدريد.

انحرف يميناً  واتحرك ببطء إلى الأمام أرى بيت جدتي الحبيب, ولا يزال تاجر الجملة الوافد من الصعيد - بعد رحلة عمل ناجحه في بلاد البترول - ببضاعته المنتشرة ساداً بها قليلا مدخل البناية موجود. كنت أكره في سني المبكرة لأنه دائما لا يسمح لنا باللعب امام المنزل إلا بعد مشادة صغيرة بينه وبين باقى الجيران الراغبين في إرضاء جدتي. وبمرور الزمن إزداد كرهي حينما علمت عن إستغلاله للبعض نتيجة قربه من الملعب القذر للسلطة. علمت بعد رحيلي بفترةٍ وجيزة دخول إبنه البكر إلى مجلس الشعب ببلطجيتها المعروفة في ذلك الزمن. على الضفة الخرى من الشارع الضيق أجد عم نبيل النجار جاساً على مقعده القديم خارج ورشته الصغيرة, اذهب إليه محيياً, يدقق النظر إلى وإلى صوتي ثم يبتسم عالياً قائلاً:
"إستاذ محمد الغالي حفيد الحاجة الغالية"
لكم أحببت هذا الرجل الطيب, كثيراً ما كان يأتي إلى جدتي شاكياً الحال أو مصلحاً لبعض الأشياء القديمة بالبيت. ياتي بقعداً أخر من الداخل وينادي على صبي المقهى كوبين من الشاي. يسألني عن الأحوال فأخبره بما طرأ وما جد, سفري وعملي  وروتين الحياة. يخبرني بأحواله قائلا:
"الشغل مبقاش زي زمان, الفرش الجاهز أكل السوق, وكله بقى بيستسهل الموضوع. يا دوب تظبيط شوية كراسي ولا سرير, تعملك دولاب جديد كل حين ومين وجبرنا على كده"
قص لي مأساته مع حرفته, وكيف ان ابنائه لم تجذبهم تلك الحرفة: " حتى العيال بيزنوا على دماغي عشان أقلب الورشة قال ايه سوبر ماركت. انا عارف اول ما اموت حيعملوها ولاد ال......"
يأتي الصبي بالشاي الساخن ويضعه على طاولة صغيرة قد أتى بها من المقهى. اشرب قليلاً وأنظر إلى عم نبيل مبتسماً محاولاً تغيير ذلك الحزن المرسوم على ملامحه, أسأله عن الأهل وجيران الماضي والأصدقاء القدامى, عن البيوت والدكاكين الصغيرة. يخبرني عن رحيل أبناء عم إبراهيم إلى منطقة الفقراء الجديدة بغرب الأسكندرية فقط بعد سنوات قليلة من رحيل أبيهم إلى بارئه. يخبرني عن الأستاذ وكيف صار الحزن رفيقه بعد رحيل صديقه القديم, وما هي إلا ثلاثة شهور ليلحق به. وكيف باع ولديه البيت المملوك له سريعاً وانتقلوا إلى شرق المدينة. ينظر إلى مبتسماً ويقول:
"بس الشهادة لله, والعيال برضه ولاد أصول ومينسوش العشرة, كل مدة كده ألاقي حد فيهم يعدي يسأل ويسلم"
تنهمر منه الكلمات لترسم صوراً من الماضي وأنا لاهياً باحثاً عن قبساً منه فيما أراه امامي في هذا الشارع مسترشداً بما أراه في غابات الأغتراب النامية داخل روحي. لكم وددت ان احبس هذا الزمن فلا يهرب, ان احتفظ بمئات التفاصيل حية. انتبه إلى عم نبيل وهو ينظر إلى نظرة ساخرة خافضاً صوته ويقول :
"فاكر البت رباب اللي كنت حتجن عليها زمان أيام الكلية, الشهادة لله هي كانت تخبل. تعرف انها لسه موجوده في نفس البيت, قاعده مع امها العيانه, وجوزها قاعد في الخليج"
يا للماضي البعيد, حبي الاول على صوت فيروز الهامس بقلبي في الشرفة, نتبادل النظرات والبسمات, جنوني حين عدت من بلدتنا في الجنوب بعد وفاة جدتي لأجد اباها قد وافق على اول من تقدم لخطبتها. لم انتظر كثيراً بعدها وسافرت.


فجأة يصم أذني صوتاً مجسماً لميكروفونات شديدة الإزعاج معلنةً ما يشبه أنه أذان المغرب فيختفي صوت كل شئ. ننتظر قليلاً ثم ينادي عم نبيل على صبي المقهى ليحمل الكواب الفارغة, ونذهب معاً نصلي, حزيناً مفتقداً دفء مسجدنا الصغير. ننتهي من الصلاة ونعود إلى الورشة. لا أجد في قلبي طاقة تجعلني أنتظر اكثر فأستاذن في الرحيل متحججاً ببعض الأعمال الواجب القيام بها, اسلم على عم نبيل مودعاً و اتركه, ينادي علي صائحاً:
"متغبش عنا كتير, مستنيك بس المرة اللي جايه نتغدي مع بعض"
أبتسم له وأقول:
"إن شاء الله"
أذهب ودموعي تبحث عن سيارة أجرة عتيقة.



  

هناك 3 تعليقات:

  1. بصراحه قطعتني
    مراد

    ردحذف
  2. جميل يا سموح، عندي شوية تعليقات بسيطه،بس مش حوجع دماغك وأقولهالك، لإنهافعلا بسيطه وكمان من النوع اللي بيتصلح بالممارسه والخبرة فقط لا غير،،أستمر يا نجم،،وحتحس بالتقدم من تعليقات الناس اللي بتقرالك مع الوقت (هيثم)

    ردحذف
  3. استمر، اسلوب ممتع، مع الاستمرار ستصل للروعة بسهولة
    عمك عاصم بك

    ردحذف