الأحد، 4 مارس 2012

قهوة إيطالية أو صالة الترانزيت

     هنا من جديد, صالة الترانزيت منتظراً كالعادة خمس ساعات. أذكر ان رحلتها ستهبط بعد عشر دقائق ثم تنتظر اربع ساعات إلا قليلا حتى موعد رحلتها الأخرى, لكني الأن لست متاكداً من شئ. أذكر حين تلاقت أعيننا فأبتسمنا, ذهبت إليها وتحدثنا كثيراً, داخل المقهى الصغير نحتسي قدحين من القهوة الإيطالية الساخنة. حدثتها عن حياتي, عن زواجي الفاشل, غربتي الطويلة. أخبرتني عن صديقها السابق وكيف هجرها, عملها في المناطق الموبؤة في أفريقيا وكم النقاط الواجب مرعاتها تجنباً لمرض لا تعرف ماهيته, تشاركنا في قليلا من الأحلام والأماني. قلت لها عن رحلتي المعتادة كل ثلاثة أشهر إلى الشمال تلك البلاد البعيدة منهياً أعمال وأوراق روتينية. سألتها ...... قاطعتني وقالت انها ستعود بعد عام هنا نفس الموعد, دعنا نلتقى مرة اخرى وقامت تستعد للحاق برحلتها. صافحتها مودعاً صامتاً مبتسماً.
     


       عام مضى لا أستطيع ان أرسم ملامحها مكتملة أذكر إبتسامتها, نظرة السعادة في عينيها,هذا الشارب الأبيض الصغير من زبد  القهوة وهي تزيله خجلى, هذه القشعريرة التي سرت في يدي ويديها حين ودعتها. عام مضى وها أنا هنا من جديد, عيناي تجوب المكان بجنون, بلهفة, كذلك رغبة في الهرب. أتطلع إلى الوجوه المنهكة من طول السفر, وجوة سعيدة فرحة وأخرى مضجرة من هذا كله. عيون ناعسة وأخرى قلقه. من يقرأ ومن يتبادل الحديث. أنظر للساعة بقلق, قد مرت ساعة و نصف ولا أعلم لماذا وافقتها, ولا أريد ان اعرف. فقط عيناها مرة اخرى ما ابتغيه. أذهب إلى نفس المقهى الصغير مرة اخرى, نفس القهوة وأقف بها جانباً, مارأً أمامي الأن عاماً من حياتي, شريط متتابع سريع براق, عاماً من الجنون والحيرة والتساؤل, ما الذي تغير بداخلي, صارت الوحدة التي لازمتني كثيرا مدناً كاملةً تعيش مهرجانات مختلفة, رقصات أفريقية وعروضاً للبولشوي. ألوان ريو دي جانيرو تنتشر في صحراء العرب. مقبلا على الحياة راضياً بها سعيداً بكل ما فيها, حتى ذلك الطائر الرابض على حافة شرقة بيتي كل صباح بصوته المزعج, وددت لو صادقته وتأسفت له عن مرات عدة سببته فيها حين يوقظني بغير رغبةً مني.
     أذهب لشراء قدحاً من القهوة جديدة وأعود إلى مكاني. أكانت تلك الأصوات المتداخلة المقتحمة سكونك هي نفس ذلك اللحن الهامس يومها, أكان هذا المقعد الخشبي الصغير نفسه كرسي الملوك الذي جلست عليه يوماً أرتشف ما تبقى وأنتبه لمرور أربع ساعات وأكثر ونداء رحلتي يدوي, لا أعلم هل ارحل ام أبقى هنا أبد الدهر. تمر الدقائق سريعة وهي لم تظهر وغضبي لا يأتي أيضاً, تبقت عشر دقائق على الرحيل, أذهب لشراء قهوتها الإيطالية وألتقط حقيبتي ونظراتي الحائرة أتجه نحو البوابة. أنهي إجرءاتي سريعاً واجلس على مقعد مواجه للحاجز الزجاجي. دافئة القهوة في راحتي ودافئة عيوني بملمح لها من بعيد. أراها هناك تعدو مسرعة نحوي يتطاير ذلك الجدول المسدول على ظهرها, ترفع يدها ملوحة وأقف انا مبهوتاً. حقيقة كاملة مجسدة, وأيام كثيرة صارت حية في صورتها. نقترب من الحاجز الكريه وأسمع شفتاها تهمس لي :

سأنتظرك العام القادم.



هناك 4 تعليقات: